“الواحة الحمراء” في الجزائر… هنا مرت الأساطير

“الواحة الحمراء” في الجزائر… هنا مرت الأساطير

يبدو أن صحراء الجزائر لم تكشف بعد عن كامل أسرارها وكنوزها السياحية لا سيما أن مساحة البلاد نحو 2.38 مليون كيلومتر مربع، ولعل “الواحة الحمراء” واحدة من تلك الأسرار التي باتت تستقطب السياح وهواة الاكتشاف والمغامرة من كل حدب وصوب رغم وجودها بالصحراء، وبمنطقة “تيميمون” تحديداً.

على بعد أكثر من 874 كيلومتراً عن العاصمة الجزائر تلوح مدينة “تيميمون” وسط الصحراء، ليس للإعلان عن وجودها وهي التي تمتد إلى قرون سابقة، بل من أجل استقبال السياح الذي باتوا يقصدونها للاكتشاف والتمتع والتأمل والسياحة، وسط واحات خضراء وقصور طينية وزوايا دينية وأزقة ومسالك سار عبرها علماء ورحالة وتجار وشخصيات وقادة من القرون الغابرة مما يؤكد مرور حضارات وأمم قامت بها.

تعد “تيميمون” من أبرز الوجهات السياحية الصحراوية في الجزائر، نظراً إلى ما تزخر به من معالم ومقومات الجذب السياحي، إضافة إلى هندستها المعمارية “الطينية” أو الترابية، التي صنعت مع اللون الذهبي للكثبان الرملية لوحة فنية وسط الصمت الصحراوي، في تناسق يعبر عن قوة من مر من هناك، ومن لا يزال يقيم إلى الآن من السكان الذين عرفوا كيف يطوعون الحر والعواصف، ويحولون الرمل إلى بيت، والنخلة إلى معاش، والماء إلى نظام ري عبقري يحيي الإنسان والأرض.

“الواحة الحمراء”

تلقب “تيميمون” بـ”الواحة الحمراء” بسبب مبانيها المشيدة بالطوب الأحمر كونه مادة مقاومة للحرارة والرياح، إذ يلمس الزائر اللون الأحمر المستخرج من طين خاص يميل إلى القرميدي، يغطي الجدران والمنازل والقصور وحتى بعض المسالك التي تؤدي إلى المدينة، فيشعر بأنه يدخل فضاء يوازن بين القسوة والجمال، وبين العزلة والأنس.

تعد العمارة الطينية في “تيميمون” فلسفة حياة وفكر استراتيجي، على اعتبار أنها نمط يتناسب مع المناخ، إذ إن جدران الطين السميكة تحفظ البرودة طوال ساعات النهار الحارة، وتستعيد الدفء ليلاً، مما يجعل السكنات مريحة ورطبة رغم قسوة المناخ، حيث تتعدى الحرارة في فصل الصيف 50 درجة مئوية.

يطلق على مباني “تيميمون” التي تعود إلى القرن الـثامن الميلادي، اسم القصور، وفي اللهجة المحلية تسمى “تيميمون تاغورارين”، وهي عبارة عن تجمعات سكنية، وتختلف المعلومات بخصوص عددها، وهي عبارة عن قلاع وتحصينات مبنية على مرتفع صخري، ومحاطة بخنادق نتيجة الخوف من الغزوات والاحتلال، وتختلف أشكالها من الدائري والمستطيل والمربع إلى البيضاوي، ولكل قصر طابعه الخاص المكون من أبواب خشب النخيل المنقوش، ونوافذ صغيرة، وأسقف مصنوعة من جذوع النخيل، ومسالك ضيقة متفرعة، تظللها الجدران المتقاربة، وأشهرها قصر “بدريان” وقصر “ماسين” وقصر “تينركوك”.

واخترع من سكن المنطقة نظاماً مائياً فريداً يعرف بـ”الفقاقير”، يصنف من أقدم أنظمة الري في شمال أفريقيا، وهو شبكة من القنوات الجوفية تمتد كالشرايين تحت الأرض، وتوزع بدقة على الواحات والقصور، حيث تدار وفق قوانين عرفية دقيقة تحدد ساعات سقي كل عائلة وكل بستان، يشرف عليها رجال متخصصون يسمون “الفقارة”، مما سمح ببيئة تسامح وعدالة وتضامن واحترام بين القاطنين.

يذكر الرحالة ابن خلدون، أن المدينة من أقدم الحواضر في الجنوب الغربي الجزائري، وتشهد قصورها المبنية بالطوب الأحمر على مكانتها كمركز عبور مهم للقوافل المتجهة بين شمال أفريقيا وبلاد السودان، وصنف قصورها ضمن أهم مراكز العمران في الصحراء.

أصل التسمية

يُرجح المؤرخون أن أصل تسمية “تيميمون” يعود إلى التعبير المحلي “تين ميمون” أي “أرض ميمون” أو “مكان ميمون”، وهو اسم ارتبط، برجل يدعى ميمون قدم من منطقة “لحمر” بنواحي منطقة بشار مع شقيقه، واستقر في بين قبيلة أولاد داوود في “تبياوين” التي أطلق عليها اسم ”تيميمون” إكراماً له، كما عرفت المنطقة بتسميات أخرى مثل “ڤورارة” و”تڤورارين”.

وتشير رواية أخرى إلى أن “تيميمون” قبل أن تبنى كمدينة قائمة بذاتها، كانت عبارة عن منطقة شاسعة تسكنها مجموعة من القبائل المتفرقة هنا وهناك، في قصور قديمة، إلى أن جاء الشيخ “سيدي ميمون” أحد كبار الأعيان، وقال إنه من الضروري جمع هذه القبائل وإضفاء طابع المدينة على المنطقة، فكر ملياً لتكون فكرة إنشاء سوق تستقطب سكان المنطقة المتباعدين، وبنى الشيخ أول سوق في الجنوب سمي على اسمه سوق “سيدي ميمون” لم به شمل كل القبائل المتفرقة التي نزلت إلى المنطقة، فبنيت البيوت وعمرت المدينة.

أساطير وقصص غريبة

كباقي المناطق الأثرية في العالم، لا سيما المعزولة منها، تحوم أساطير وقصص غريبة حول “تيميمون” أو “الواحة الحمراء”، حيث يتحدث باحثون وأهالي المنطقة عن اختفاء بعض القصور ثم عودتها للظهور مجدداً لكن في مكان آخر، وبين العوامل الطبيعية و”لعنات الموتى” وأساطير الجن تعددت الروايات حول الأسباب، وأشاروا إلى أن المباني التي كانت على سطح الأرض اختفت بالكامل، أحياناً تظهر وأحياناً تختفي، مثل قصري “توكي” و”قدور” إذ لم يعودا موجودين بفعل العواصف الرملية التي ردمتهما، بينما أخرى اختفت نتيجة دعوات على أهل القصر.

وتقول رواية أخرى، إن قصراً من منطقة “توات” اختفى بعد مقتل المتصوف “عبدالجبار بن الكريم المغيلي”، قبل أن يعود للظهور ولم يبق منه إلا الأطلال، ويتحدث السكان أيضاً عن أصوات تسمع في الليل، بسبب أن المنطقة شهدت أول مواجهة مع عدو هاجم منطقة قصور “تيقورارين”، بينما تشير أسطورة إلى وجود الجن وتحريم المنطقة على البشر، ومن بين ما يقال إن هناك منطقة رملية يموت كل من يدخلها.

خيار صحي وبيئي مستدام

في السياق يرى المسؤول بالمركز الجزائري للتراث الثقافي، حمد شاور أن الطين مادة بناء مستدامة وصديقة للمناخ الصحراوي، ففي زمن تزداد فيه الحاجة إلى العمارة البيئية، يبقى بناء مساكن عصرية بالطين، تجمع بين الجمال والاقتصاد في الطاقة حلاً يستدعي اعتماده، مؤكداً أن هناك جهوداً لإحياء العمارة الترابية كخيار صحي وبيئي مستدام، يتماشى مع طبيعة المناخ المحلي ويعيد الاعتبار للهوية الجزائرية.

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *